أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
394
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تعالى : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ : هذا استفهام يراد به التحريض والأمر بالجهاد و « ما » مبتدأ و « لَكُمْ » خبره أي : شيء استقر لكم وجملة قوله « لا تُقاتِلُونَ » فيها وجهان : أظهرهما : أنها في محل نصب على الحال أي : ما لكم غير مقاتلين أنكر عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة وقد صرح بالحال بعد هذا التركيب في قوله : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 1 » وقالوا في مثل هذه الحال : أنها لازمة لأن الكلام لا يتم دونها وفيه نظر والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر كقولك : مالك ضاحكا ؟ . والوجه الثاني : أن الأصل : « وما لكم في ألا تقاتلوا » فحذفت « في » فبقي « أن لا تقاتلوا » فجرى فيها الخلاف المشهور ثم حذفت « أن » الناصبة فارتفع الفعل بعدها كقولهم : « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » وقوله : 1617 - ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * . . . « 2 » في إحدى الروايتين وهذا يؤيد كون الحال ليست بلازمة . قوله : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه : أظهرهما : أنه مجرور عطفا على اسم اللّه تعالى أي : وفي سبيل المستضعفين . والثاني : - وإليه ذهب الزجاج والمبرد - أن يكون مجرورا عطفا على نفس « سَبِيلِ » قال أبو البقاء - بعد أن حكاه عن البرد وحده : - « وليس بشيء » كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجه ذلك ووجهه أن تقديره : « وفي خلاص المستضعفين » . والثالث : وإليه ذهب الزمخشري - : أن يكون منصوبا على الاختصاص تقديره : وأخص من سبيل اللّه خلاص المستضعفين لأن سبيل اللّه عام في كل خير وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور والجمهور على « وَالْمُسْتَضْعَفِينَ » بواو العطف وقرأ ابن شهاب « في سبيل اللّه المستضعفين » وفيها تخريجان أحدهما : أن يكون حرف العطف مقدرا كقولهم : « أكلت لحما تمرا سمكا » . والثاني : أن يكون بدلا من « سَبِيلِ اللَّهِ » أي : في سبيل اللّه سبيل المستضعفين لأن سبيلهم سبيل اللّه تعالى . قوله : من الرجال فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من المستضعفين . والثاني : أن « من » لبيان الجنس والولدان قيل : جمع « وليد » وقيل : جمع ولد كورل « 3 » وورلان والمراد بهم : الصبيان وقيل : العبيد والإماء يقال للعبد « وليد » فغلب المذكر على المؤنث لاندراجه فيه والذين يقولون فيه وجهان : أحدهما : أن يكون مجرورا على أنه صفة : أما للمستضعفين وأما للرجال ومن بعدهم وغلب المذكر على
--> ( 1 ) سورة المدثر ، الآية ( 49 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) الورل : دابة كالضب . انظر اللسان ( ورل ) .